المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2014

التلييس

يستحق أن يكون شخصا عظيماً، هكذا يعتقد في نفسه طول الوقت، يحرص على شراء سجائره من نوع غالي، يشتري ملابسه من الوكالة، ويقسم أنها توكيل. يدخل غرفته، مع كل فجر، ويهرب منها بعد سطوع الشمس بساعات، لا يأكل هناك، ولا يشرب، يدخن فقط فيها سيجارة قبل النوم، ويبصق علي يمينه قبل أن يخلد في نوم، يتقلب على السرير ساعة قبل أن يغشى عليه. النوم بالنسبة له هروب لا يستطيع القيام به، والأكل منعا لموت يراه أمام عينه كل ليلة، هو فقط يحب الشراب، يعشق بيره ستيلا تمنحه القوة على أن يتخيل نفسه عظيما. الغرفة عبارة عن سرير تتقاطع معه كنبة عند رأسه تصنع زاوية في مواجهتها تربيزة صغيرة عليها بعض الكتب وبجوارها وابور جاز عليه إبريق شاي فعل فيه هباب الوابور كل ما يستطيع لتغير لونه إلى الأسود. يحاول أن تكون الغرفة مهندمة ومرتبه طوال الوقت، يلتزم بتغير الجرائد المثبته على الجدار، الرطوبة تسقطها كل فترة، الرطوبة آتت على ما تبقي من "جير" ملون على الجدران، تكشف عن طين صنعت منه الحجرة. يتذكر وهو صغير أجلسته أمه على فخذها وهي تشترى تلك الحجرة، وقتها كانت أربع جدران بل سقف، ولا باب، ما تبقى معها من ...

جميلة

كانت تجلس القرفصاء تاركة رأسها بين فخذيها، ألتف عدد من النساء حولها، اختلط كلامهن بين المواساة، والطمأنة،   لا تنظر إلى أحد، تجلس إلى جوارها طفلة     تشبهها، اقترب منها رجل في العقد الثالث من عمره، حاول التحدث معها فلم ترد، جاء صوت من تجلس إلى جوارها، "سبيها دلوقتي يا أستاذ الله يكون في عونها ويصبرها"، لم يهتم بكلمات الست، وردد السؤال، وأكدت هي على التطنيش، نظر إلى الجالسة جوارها ففهمت سؤاله دون أن ينطقه "ابنها يا باشا ومعاه مراته وبناته تحت الصخرة ومنعرفش أن كانوا ماتوا ولا عايشين". الأمور لا يوجد بها احتمالات هو اختيارين لا ثالث لهما، إما كان في بيته فمات، أو كان خارج المنطقة بالصدفة فكتب الله له عمرا جديدا. اقترب منها الرجل من جديد، ووضع يده على رأسها، رفع يدها وقبلها، نظرت إليه باستغراب، ما هذا الغريب الذي يقبلني، توقع السؤال فكانت إجابته أكثر غموضا "أنا واحد متعرفنيش ولا أنا أعرفك اعتبريني زي ابنك" عادت برأسها من جديد إلى ما بين فخذيها، وكأنه ذكرها من جديد بابنها الذي لم تنسي وجهه، وهو مرعوب يحتضن ابنتيه وزوجته، هي صورة تخيلية وضعتها السيدة ...

عند الكومة

  هو نفس رصيف المحطة الذي ألقى من عليه النظرة التي كان يتوقع انها ستكون الأخيرة على مقابر القرية، هي نفس الحقيبة التي كانت على ظهره يوم وقف على الرصيف المقابل قاصدا القاهرة. كانت بالنسبة له الغد الذي لا يأتي هنا والأمل الذي يتمسك به والحلم الذي كان يأتيه كل ليله في منامه، كان يحلم بعمه راكعا أمامه يتوسل إليه أن يرحمه وهو يتلذذ بمرارة الدموع في حلق، كان يري نفسه عائدا إلي القرية وأهلها واقفين علي جانبي الطريق في انتظاره وهو ينظر إليهم من شباك سيارته التي تخترق القرية بصحبة موتسكلات أمامه ومن خلفه، تزيده فخرا وعزه. مازال يتذكر دموعه حينما اكتشف أن أطفال القرية لا يريدون اللعب معه، سمعهم يتهامسون عليه ويتغامزون ضحكا على طريقة سيره، ورجله "المقوسه". لم يستطع الاستمرار معهم، قرر الانسحاب لعله يجد في الهروب طوق النجاة، سبقت قدماه الرياح فوصل إلي كومة التراب العالية والجارة الوحيدة لمقابر القرية، جلس ساندا ظهره عليها، ومدد ساقيه أمامه يداعب أصابعه بعصا كانت ملقاه إلي جوار الكومه، لأول مرة يشعر بالحرية والأمان بالدفء، كأنه في حضن أمه الذي حرم منه يوم مولده، وحنان وقوة ضمة...

استعنا على الشقا بالله

كان وحده يرقص، هو في الحقيقة لا يعرف أنه بتلك الحركات يرقص، يشد جسمه النحيل، ويرفع يده للسماء ويدور حول نفسه، يلف حول ظله المرسوم على الأرض فيصنع نصف دائرة ويعود من نقطة بدايته. لا يشغل باله بالصخب الذي يحدثه حركة السيارات من حوله، ويعاود اللف من جديد في النصف دائرة. غرفة كبيرة حولها مساحة واسعة تقف فيها أكثر من سيارة يبدو أن جميعها معطلة، الغرفة معلق بها معدات تصليح سيارات. لا يتذكر إن كان نظفها، أم نسى كعادته، الأسطى "كده كده هيجي يصبح على قفاه". الأرض من تحته مبللة، هو فعلا رش المياه بعد أن فتح الورشة، يستمتع بحركات المياه وهي تسقط على التراب، لا يشغل أن "يبهدل" ملابسه، فالزيت والشحم صنع فيها ما شاء، يمسك خرطوم المياه، ويرسم به في البداية وجه باسم على الأرض الجافة، سرعان ما يضيع ملامحه، "فالعلقة" التي خصه بها الأسطى لازالت عالقة في ذههنه "بنرش مايه عشان يجي الرزق مش عشان نلعب"، هي الجملة التي قالها له قبل أن يفصل الخرطوم من الصنبور ويرسم على جسده علامات حتى لا ينسى الدرس الأول له في الصنعه. ذكرياته مع المكان كلها دروس يقول له الأسطى ف...

الرصيف

قبل ان تنظر إلى ناحية القطار قالت له وهي تفرك في عينيها هل سأراك مجددا؟ لم يجب عليها وتركها تبحث عن إجابة على سؤالها في ملامحه التي حاول قدر الإمكان أن يخفيها عنها، استدرات بجسمها وتحركت. هي نفسها التي سالته في أول لقاء نفس السؤال، القطار يصنع صداقات وعداوات واحيانا يجمع عاشقين، الرحلة اليومية تجعل الفرصة سانحة لأن يلتقي كل يوم بشخوص مختلفه في الشكل واللون، فيختار من بينها ما يشاء ليسجل رقم هاتفه ويكون معه علاقة جديدة يصنفها في كل مرة حسب جنس وشكل ولون وحلاوة هذا الشخص. لا يعرف ما الذي شده إلى هذا النقاب الأسود، ربما صوتها المنخفض، وحديثها القليل الذي تختم كل جمله فيه بـ"الله المستعان" أو تسبقه بالمشيئة. لم يكن يعرف كثيرا، عن أسماء المشايخ التي تستدل بكلماتهم وفتواهم، وهي ايضا لم تقرأ لمن يحدثها عنهم، سألته عن الكتاب الذي يحمله، ولم ير ملامحها عندما قال لها إنها رواية لنجيب محفوظ. سألته عن المسجد الذي يصلى فيه، فاكتشف انه لا يتذكر أسم المسجد الذي في منطقته، فقال لها أسم مسجد مشهور في مدينتهم، سمع عنه في "تريقة" أصدقائه على خطيبه في المقهي. طلبت هي رقم ه...

طوبى لمن عاش في خياله

كان يجلس في نفس المكان، تقريبا، لكنه الأن يدقق في وجه كل من يمر أمامه، ينتظر شخصا ما سيأتيه. كل صباح يكون أول من يدق شمسيه على الشاطئ، ولا يغادره إلا بعدما يغطى الظلام منظر البحر من أمامه. قبل أعوام لم يعد يهتم بحسابها، كان يجلس أمامها يهز رأسه تعبيرا عن الموافقة ولا ينطق بكلمة واحدة، تقلب يده، وتدقق النظر فيها وتختلس نظرة إلى عينيه المترقبه لكل ما تقوله. قالت له الكثير، أبوك مش طايقك، والدنيا سوده في وشك، ونفسك تهرب من البيت، لأ أنت عايز تهرب من البلد كلها، كان يوافقها على كل ما تقوله ويزداد قناعة بأن المرأة ترى الطالع وتقرأ الكف. لم يقرأ كثيرا عن تاريخ الغجر في مصر، وكل ما يعرفه عنهم أنهم مجموعات لا أصل معروف لهم، وأغلب الدراسات تشير إلى انهم جاءوا من الهند ، وانتشروا في اكثر من بلد من بينها مصر، عرف من حكايات والده أن الغجرية هي من تطلب الرجل للزواج وليس العكس كما جرت العادة، الغجرية أيضا لا تتزوج إلا غجرى مثلها، كل ما يتكلفه هذا الغجرى هو المهر والمنزل، وفي الزواج لهم طقوس مختلفة، لا يسجلون الزواج في أوراق رسمية تشهد عليها الدولة، يستخدمون "المحرمة" قطعة قماش بيضا...

حكايه لم تنته

قبل أن تعرفها، تتعرف عليها، منظرها يوحي بعملها في هذا المكان، جلباب بني اللون، به جيوب من نفس اللون لكنه فاتح بعض الشئ، وحجاب عبارة عن طرحة بيضاء، المفروض أن تكون بيضاء، لكن لعوامل كثيرة تحول إلى لون لا هو أبيض ولا هو أسود، بين هذا وذاك يمكن وصفه.فور أن شاهدتنا وقفت من على كرسيها الموضوع في الطرقة الواسعه بين الحجرات الكثيرة،فتحت إحداها وأدخلتنا فيها، وذهبت لتحضر أدواتها، تلك التي ستجبرني بعد قليل أن أضع يدي في جيبي وأعطيها اللي فيه النصيب ..أسمها أم سحر، عاملة نظافة في المستشفي ومسئولة عن العنبر 115، تأتي في السابعة صباحا،وتنصرف عن نفس الساعة مساءا، لا تفعل شيئا يمكن أن تجعلك تتعاطف معها وهي تحكي أن راتبها لا يتجاوز 275 جنيها رغم عملها في المكان منذ 10 سنوات.. كانت تحكي عن كثير من تفاصيل حياتها، لم أصدق يوما ما تقوله، لكن ما الذي يجعل أمرأة تختلق كل هذه القصص التي يمكن أن تساعد مؤلف مبتدأ ليصبح نجما في اقل من شهر.حكاياتها كانت تدور حول الزوج "العرة" والإبن "الخايب" والبنات"الوسخه" والحماة "المفترية".. كانت تحكي عن البيت "الزبالة" الذي...

لقاء بل لقاءين

استقبلني يومها بحرارة، تذكرت شكله ولم أذكر اسمه، استأذنته في استخدام هاتفي، ابتعدت قليلا، قلبت في الأسماء أحاول تذكره، وجدت اسما لا أتذكر صاحبه، داعبت ذاكرتي معيدا ترتيب الأحداث والوجوه واللقاءات، تذكرته.. يحيى. عدت إليه أرحب به، وأردد اسمه ليتأكد أني لم أنسه، حكيت له عن لقائنا الأول، لأدفع عني تهمة وجدتني أواجهها. أصر أن يرافقني إلى مقهى قريب، وتوافقنا على الجلوس في مكان بعيد عن الناس، سحب كرسيا إضافيا، وأجلس عليه حقيبته، بدا متعبا من حملها. عرفني على نفسه في اليوم الأول، (شاعر، ورائي، وأديب، وأًعد دراسات نقدية في الأدب المقارن)، منطلقًا  من هذا التعريف بدأ  حديثًا  أسمعني شعرًا لم أحدد مدى جودته، كان يغمض عينيه، يرفع صوته، ويخفضه في مواضع مختلفة، لوح بيده في أبيات، وأراحها على بطنه في أبيات أخرى، لم أعرف أنه انتهى إلا عندما سألني "إيه رأيك؟"، لم أفهم إشارته وحركاته . شجعه ثنائى عليه، فأخرج من حقيبته اوراق مبعثرة، قرأ نصا قال إنه قصة قصيرة، وأهداني كتابا وكتب عليه إهداء لي (هذه روايتي الأولى.. كل المودة) كتب بعدها اسمه وتحته التاريخ. حكى لي عن تجاربه النسائي...

تصلح لجميع الأغراض

وقفتُ أتابع خطواته وهو يبتعد، لأول مرة آلاحظ أن الشيب سيطر على مؤخرة رأسه، لم أناده ولم أطلب منه الانتظار، كنت أعرف أنه لن يسمعني. قبل هذا الموقف بسبع سنوات تعرفت عليه، كنت له ما يريد، الرفيقة في المظاهرات، والزميلة في العمل، والحبيبة على الكورنيش، والزوجة على السرير، إن أراد، لم أطلب منه الزواج ولم يعرضه علي يوما، لم أفكر في الأمر من أساسه، (هل أكذب على نفسي؟ كنت أحلم باليوم الذي يرتدي فيه بدلة أنيقة ويخبئ خلف ظهره زهرة، وينحني قليلا أمام مكتبي في العمل، ويطلب الزواج مني، كنت أحلم كل مرة برد فعلي وقتها وكل مرة يكون مختلفًا)، لم يبد لي يومها أنه بكل هذه القسوة، التي اكتشفتها اليوم.  كنت أضع سماعة الهاتف في أذني، أجلس بجوار شباك المترو، أسافر مع فيروز للقمر، وأرقص معها عند الطاحونة، عندما اقتحم عالمي. أغلقت هاتفي وفتحت صفحة جديدة في حياتي. رجل أربعيني، يتحدث بلغة واثقة عن نفسه، وإنجازاته، كل سؤال يمتلك إجابته، يعرف جيدا قراءة العيون والأفكار، مستشكف رائع، اكتشفني من النظرة الأولى، سألني عن الحب.. وحدثني عن الرومانسية وحكى لي نوادر الأفلام القديمة. وجدتني فجأة اجلس معه على...