لقاء بل لقاءين
استقبلني يومها بحرارة، تذكرت شكله ولم أذكر اسمه، استأذنته في استخدام هاتفي، ابتعدت قليلا، قلبت في الأسماء أحاول تذكره، وجدت اسما لا أتذكر صاحبه، داعبت ذاكرتي معيدا ترتيب الأحداث والوجوه واللقاءات، تذكرته.. يحيى.
عدت إليه أرحب به، وأردد اسمه ليتأكد أني لم أنسه، حكيت له عن لقائنا الأول، لأدفع عني تهمة وجدتني أواجهها.
أصر أن يرافقني إلى مقهى قريب، وتوافقنا على الجلوس في مكان بعيد عن الناس، سحب كرسيا إضافيا، وأجلس عليه حقيبته، بدا متعبا من حملها.
عرفني على نفسه في اليوم الأول، (شاعر، ورائي، وأديب، وأًعد دراسات نقدية في الأدب المقارن)، منطلقًا من هذا التعريف بدأ حديثًا أسمعني شعرًا لم أحدد مدى جودته، كان يغمض عينيه، يرفع صوته، ويخفضه في مواضع مختلفة، لوح بيده في أبيات، وأراحها على بطنه في أبيات أخرى، لم أعرف أنه انتهى إلا عندما سألني "إيه رأيك؟"، لم أفهم إشارته وحركاته .
شجعه ثنائى عليه، فأخرج من حقيبته اوراق مبعثرة، قرأ نصا قال إنه قصة قصيرة، وأهداني كتابا وكتب عليه إهداء لي (هذه روايتي الأولى.. كل المودة) كتب بعدها اسمه وتحته التاريخ.
حكى لي عن تجاربه النسائية، وشخصيات قصصه القصيرة الكثيرة، وصف لي قريته التي هجرها، والبيت الذي يسكن فيه حاليا، (حجرتان وصالة ومطبخ وحمام)، "سب الدين" لبائع الفول المتجول، الذي يوقظه كل صباح، واتهم والدة بائع اللبن بالزنى، وجمع الصفة، لم يترك بائع أو جار له إلا ومنحه صفه، الحلاق "مخبر"، والبقال "حرامي"، و المكوجي "بتاع نسوان"، والأستاذ حسين، "سكساوي"، والحاج إبراهيم "نصاب"، حاولت تغيير الموضوع لكنه أصر.
حكي لي عن زملائه في الصحيفة، وعلاقته برئيس التحرير، عن "الأمنجية" المسيطرين على رئاسة الأقسام، وفي "الديسك"، الزميل الذي يرتدى النظاره الشمس حتى داخل صالة التحرير، "عقدة الظابط مسيطرة عليه" هكذا فسرها، وهو يحاول وضع تفسير لأشياء كثيرة، رئيس التحرير صعيدى، جاء إلى القاهرة قاصدا الجامعة، هتف لعبدالناصر، كتب تقاريرا في زملائه، ودافع عن كامب ديفيد، ثم شارك في احتفالات نصر أكتوبر، كان يجلس في الصف الثاني، مع الوزراء، اليوم هو رئيس تحرير جريدة تعارض الرئيس نهارا، وترسل محرريها ليناموا في فراش المسئولين ليلا.
حاول إقناعي بالخطة التي وضعها رئيس قسمه مع سكرتارية التحرير للإطاحة به من قسم الثقافة.
رسم على ورقه بيضاء أمامه ثلاث دوائر، اثنتين متجاورتين وثالثة تحتهما، أوصل المتجاورتين بدائرة، وكتب فيها كلمة "تعريص" وأوصل الدائرتين المتصلتين بالدائرة الباقية بخطين صنعا قوسا على اليمين وأخر على اليسار، على القوس الأول كتب "شائعات" وعلى القوس الثاني "تضييق"، تنهد وأشعل سيجارة جديدة، ثم صنع سهما ساقطا من الدائرة المحاصرة بالقوسين، وكتب "في الشارع".
حكي لي عن عمله الجديد، وتجاربه النسائية الجديدة، وحياته الجديدة.
موظف باللجنة الإعلامية بمركز حقوقي، هذه وظيفته الجديدة، رغم ما قاله أنه يعمل مستشارا إعلاميا، (يكتب بيانات القبض على السياسين والنشطاء، ويعارض قوانين تنظيم الإجتماعات والمواكب، ويلوم الدولة على إهمال العشوائيات، وينتقد السياسات الإقتصادية للحكومة).
لكن، قالها وتوقعت ما سيأتي بعدها.
حكي لي عن مدير المركز وعلاقاته بحكومات غربية، وعن أرصدته في البنوك، وبيته القديم في السيدة، وفيلته الأن، في الشيخ زايد، لفت انتباهه تليفونه المحمول، وسيارته الفارهة، وزوجته الأنيقة، وأولاده في المدارس الدولية، حسب ما يصرفه في الشهر، وقارنه بمصاريفه.
رسم ثلاث دوائر على خط مستقيم، الأول كتب داخلها "المدير"، والثانية "السكرتيره" والثالثة "يحيى" وأوصل الدائرة الأولى بالثانية بسهم ذيله من "المدير" ورأسه في "السكرتيره"، ومن الدائرة الثانية خرج سهما أخر يقتحم الدائرة الثالثة، وتحتها فتح قوسين كتب بينهما "تعادي القحبة تجيب اللي فيها فيك".
تغيرت ملامحه، نظر إليّ كأنه يراني لأول مرة، سحب أوراقه التي منحني أياها منذ قليل، نادى على "القهوجي"، اعطاه خمسة جنيهات، "حجرين "قص" وقهوة، والباقي عند الأستاذ"، وأشار إليّ وهو يمد يده منتظرًا الباقي.
تعليقات
إرسال تعليق