عند الكومة


 
هو نفس رصيف المحطة الذي ألقى من عليه النظرة التي كان يتوقع انها ستكون الأخيرة على مقابر القرية، هي نفس الحقيبة التي كانت على ظهره يوم وقف على الرصيف المقابل قاصدا القاهرة.
كانت بالنسبة له الغد الذي لا يأتي هنا والأمل الذي يتمسك به والحلم الذي كان يأتيه كل ليله في منامه، كان يحلم بعمه راكعا أمامه يتوسل إليه أن يرحمه وهو يتلذذ بمرارة الدموع في حلق، كان يري نفسه عائدا إلي القرية وأهلها واقفين علي جانبي الطريق في انتظاره وهو ينظر إليهم من شباك سيارته التي تخترق القرية بصحبة موتسكلات أمامه ومن خلفه، تزيده فخرا وعزه.
مازال يتذكر دموعه حينما اكتشف أن أطفال القرية لا يريدون اللعب معه، سمعهم يتهامسون عليه ويتغامزون ضحكا على طريقة سيره، ورجله "المقوسه".
لم يستطع الاستمرار معهم، قرر الانسحاب لعله يجد في الهروب طوق النجاة، سبقت قدماه الرياح فوصل إلي كومة التراب العالية والجارة الوحيدة لمقابر القرية، جلس ساندا ظهره عليها، ومدد ساقيه أمامه يداعب أصابعه بعصا كانت ملقاه إلي جوار الكومه، لأول مرة يشعر بالحرية والأمان بالدفء، كأنه في حضن أمه الذي حرم منه يوم مولده، وحنان وقوة ضمة أبوه الذي افتقده في ثاني يوم من سبوعه، هو في الحقيقة يعرف تلك الأكليشهات من الحكايات التي كان يسمعها عن حنان الأم والأمان في حضن الأب، لكنه لم يجربها يوما، ظل وحيدا منذ شهره الأول، وأرتضي ان يكون طفيلا علي  صديق أبوه الذي كان يري دائما أن صنيعه فيه أكثر أشكال الكرم وأكبر جميل يمكن أن يفعله شخص في الدنيا، فتح عينه فأكتشف انه نام الليل كله في حضن الكومة، لم يحدث شيء مما كان اهالي القرية يتناقلونه عن المقابر وأشباحها والضرر الذي يصيب كل من أقترب منها بعد غياب الشمس.
منذ هذا اليوم أصبحت الكومة والمقابر ملاذه، يعشق صمتها البشرى، وربما اكتشف بعد سنوات أنها المنطقة التي تجمع أبويه وحاجته إليهم كبيرة.
عمره لم يتجاوز الخمسة عشرة عندما اتخذ قرار الرحيل، لم يعد لديه امل في أن يكون له صديق في القرية، قرر الهروب من جديد، هذه المرة لن يكون لكومة المقابر، سيتجه هذه المرة شمالا نحو القاهرة تاركا ورائه القرية بمشاكلها، وأهلها، وظلمهم، والأطفال القدامي، شباب اليوم الذين لم يتغير فيهم شئ سوي ذاك الشارب الذي رسم علي وجوههم رمزا لرجولة تخفيها سراويلهم.
طرقات الباب المتلاحقة ايقظته من نوم كان ينتظره منذ فترة، فتح عينه على التاريخ، اليوم أكمل 30 عاما بالتمام والكمال، قضى نصف عمره في السيدة زينب جلس على أسوار المسجد، وطاف شوارعها، وجلس مع شحاذيها، ونام أيضا على رصيفها أيام قبل أن يستأجر غرفة على السطوح.
 الباب يكشف عن صاحب الحجرة يصرخ في وجهه "الإيجار من شهرين مدفعتهمش و.."، لم يسمع بقية ما قاله، كان يتذكر يوم أن هبط القاهرة، وكم عام قضاها هنا، ترك الرجل يكمل تهديديه ودخل غرفته، جمع ما لديه من ملابس وضعها في حقيبته القديمة بعدما نفضها من التراب.
معدته لم تعد لتتحتمل أكل نذور السيدة، الزحام، الدوشه، الدنيا كلها لم يعد يرتاح لها ولا هي ترتاح له، حتى جارة السطح التي وجد فيها القلب الحنون، وأعتقد أنها الحب الأول الذي يهز أوتار قلبه وعزفت نغمات جميلة عاش عليها 3 سنوات، رأها تحت القهوجي على كنبة السطوح تستمع بما يمنحها من سخونة. سمع أهاتها، وهو الذي لم يلمس يدها يوما، حفاظا على عشق عذري يبحث عنه.
ضاع هو الأخر، كما يضيع كل شئ منه، أحيانا كان يعتقد أن ما فيه ربما نتيجة تلك الليالي التي كان يبت فيها عند الكومة في المقابر، ها هو سيعود إليها ربما يجد عندها الحضن الدافئ القديم وربما تصيبه لعنة تنهي حياته. 
هو نفس الرصيف الذي تركه فقط أصاب اللافته الخرسانية الكبيرة المكتوب عليه أسم المحطة  بعض الرطوبة، غيبت حروفا من أسم قريته.
 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تصلح لجميع الأغراض

الرصيف

التلييس