حكايه لم تنته

قبل أن تعرفها، تتعرف عليها، منظرها يوحي بعملها في هذا المكان، جلباب بني اللون، به جيوب من نفس اللون لكنه فاتح بعض الشئ، وحجاب عبارة عن طرحة بيضاء، المفروض أن تكون بيضاء، لكن لعوامل كثيرة تحول إلى لون لا هو أبيض ولا هو أسود، بين هذا وذاك يمكن وصفه.فور أن شاهدتنا وقفت من على كرسيها الموضوع في الطرقة الواسعه بين الحجرات الكثيرة،فتحت إحداها وأدخلتنا فيها، وذهبت لتحضر أدواتها، تلك التي ستجبرني بعد قليل أن أضع يدي في جيبي وأعطيها اللي فيه النصيب ..أسمها أم سحر، عاملة نظافة في المستشفي ومسئولة عن العنبر 115، تأتي في السابعة صباحا،وتنصرف عن نفس الساعة مساءا، لا تفعل شيئا يمكن أن تجعلك تتعاطف معها وهي تحكي أن راتبها لا يتجاوز 275 جنيها رغم عملها في المكان منذ 10 سنوات.. كانت تحكي عن كثير من تفاصيل حياتها، لم أصدق يوما ما تقوله، لكن ما الذي يجعل أمرأة تختلق كل هذه القصص التي يمكن أن تساعد مؤلف مبتدأ ليصبح نجما في اقل من شهر.حكاياتها كانت تدور حول الزوج "العرة" والإبن "الخايب" والبنات"الوسخه" والحماة "المفترية".. كانت تحكي عن البيت "الزبالة" الذي تسكن فيه، والشارع "المعفن" الذي لم تجف منه مياه الصرف يوما، والمنطقة "الزبالة"، والجيران "الواطية" والبقال "الحرامي" والخضري "النصاب"، و..الحكايات كلها تشبه بعضها تقريبا، الحكاية الأولى عن فشل زواج أبنتها، بعدما أكتشفت أن"الواد" هيقعد "البت" مع امه وأخواته في "عشه" واحده في منشأة ناصر، "لمؤخذة ياأستاذ كلهم بيناموا مع بعض زي البهايم"، الحكاية الثانية عن زوجها اللي مضيع كل فلوسه عن الأفراح "يروح يشرب ويرقص ويرجعلي بيطوح"، الحكاية الثالثة كانت غريبة جدا، الست تحكي عن مأساتها مع جارتها التي تسرق ملابسها الداخلية، "أصلها بتاعت مشايخ وعفاريت" بهذه الحكاية ربطت كل الحكايات الأخرى، فطرد أبنها من العمل، وشرود أبنتها، وحالها المايل كل هذا بسبب "العمل اللي عملته" جارتها..أم سحر، أمرأة بدينة، صاحبة خلفية عريضه، وظهر ينحني للأمام قليلا، تجر أقدامها وهي تمشي بين الطرقات، فتصنع صخبا في المكان، لا تصمت أبدا، تنظر إلى عين من يتحدث معها، لاتدخل حجرة مريض لا يعطيها اللي فيه النصيب، لا تحرج في أن تطلب منك إن تكاسلت أو تقاعست عن دفع المعلوم.قبل أيام من الحصول على تقرير الخروج من العنبر والمستشفي كلها، خرج جاري في الحجرة المهندس أحمد عبدالستار، في هذا اليوم لم تأت أم سحر إلى علمها، فخرج الرجل ولم يسلم عليها، لمزيد من الدقه لم يعطها حلاوة الخروج، فجعت أم سحر عندما حضرت في صباح اليوم التالي ووجدت الحجرة خالية، صرخت في "هما خرجوا أمتي؟" رديت بسرعة "الحمد لله خرجوا أمبارح"، فزاد غضبها وسألت من جديد "سب ليا معاك حاجة؟" فأجبت بحسم "أبدا"، فأدارت ظهرها وهي تتجه نحو كرسيها "إن شاء الله هيرجع تاني" وأردفت جملتها بوابل من الأدعية التي تمرض السليم، فكان قراري أن يكون هدفي يوم أن يقرر الطبيب خروجنا، لأعطيها ما يجعلها لا تكرر نفس الأمر معي..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تصلح لجميع الأغراض

الرصيف

التلييس