استعنا على الشقا بالله
كان وحده يرقص، هو في الحقيقة لا يعرف أنه بتلك الحركات يرقص، يشد جسمه النحيل، ويرفع يده للسماء ويدور حول نفسه، يلف حول ظله المرسوم على الأرض فيصنع نصف دائرة ويعود من نقطة بدايته. لا يشغل باله بالصخب الذي يحدثه حركة السيارات من حوله، ويعاود اللف من جديد في النصف دائرة.
غرفة كبيرة حولها مساحة واسعة تقف فيها أكثر من سيارة يبدو أن جميعها معطلة، الغرفة معلق بها معدات تصليح سيارات. لا يتذكر إن كان نظفها، أم نسى كعادته، الأسطى "كده كده هيجي يصبح على قفاه".
الأرض من تحته مبللة، هو فعلا رش المياه بعد أن فتح الورشة، يستمتع بحركات المياه وهي تسقط على التراب، لا يشغل أن "يبهدل" ملابسه، فالزيت والشحم صنع فيها ما شاء، يمسك خرطوم المياه، ويرسم به في البداية وجه باسم على الأرض الجافة، سرعان ما يضيع ملامحه، "فالعلقة" التي خصه بها الأسطى لازالت عالقة في ذههنه "بنرش مايه عشان يجي الرزق مش عشان نلعب"، هي الجملة التي قالها له قبل أن يفصل الخرطوم من الصنبور ويرسم على جسده علامات حتى لا ينسى الدرس الأول له في الصنعه.
ذكرياته مع المكان كلها دروس يقول له الأسطى في ساعة صفا "الضرب ده هتعرف قيمته بعدين لما تبقه أسطى كبير وعندك ورشتك".
لا يقنعه العرض الذي يقدمه له الأسطى، هو لا يريد أن يتعلم الصنعه من الأساس، فقط يفكر متى سيرن هاتف الأسطى ليذهب إلى أي مشوار ليعادود اللعب بالمياه، يقتنص تلك المساحة من الوقت يفعل فيها ما يريد، لم يجرب قيادة سيارة يوما، هو أصلا لا يحب السيارات، ويتمنى كل صباح أن تلغى صناعة تلك المركبات، أو تصدر فتوى بتحريم ركوبها.
قبل عامين كان يمسك بذيل جلباب أبيه، عندما جاء إلى هذا الورشة، المكان بهره، على الأقل لم يكن فيه فصل بباب يغلق كلما دخل مدرس ممسك بعصاه، منظر الأشجار التي كانت تصنع ظلا على الطريق، ومرور السيارات سريعة، والترعة التي تغسل فيها نساء القرية "المواعين" والأطفال التي تقفز في الترعة من اعلى الكوبرى، كلها مشاهد خطفته، لم يستمع للحوار الذي دار بين أبيه والأسطي كل ما سمعه جمله واحدة "لو جبتهولي مكسور هجبسهولك وأرجعهولك تكسرله الرجل التانية"، معها ولكنه لم يفهم معناها، لماذا سيكسر هذا الشخص رجلي؟ ولماذا سيعيدني أبي إليه ليكسر الرجل الأخرى؟ لم يجبه أحد على تساؤلاته، هو أصلا لم يسأل فقط كانت تساؤلات تدور في خاطره وهو يرى أبيه يقفز في "توك توك" عائدا إلى البيت.لم يفهم وقتها أيضا لماذا مسكه الأسطى من كتفه، وهو يردد "أستعنا على الشقا بالله"، لماذا الشقا؟ وكيف سيأتي الشقا في هذا المكان المبدع؟ هذه المرة جائته الإجابة سريعا، لم يجبه احدا بل تلك الاتهابات التي اصابت فخذيه، وأعاقت حركته وهو عائد إلى البيت ليلا، جعلته يلعن أبوه والأسطى، والورشة، وأصبح يردد كل صباح "استعنا على الشقا بالله" يقولها قبل أن يفتح الورشه ويرش المياه ويلف حول نفسه وهو لا يعرف أنه يرقص.
تعليقات
إرسال تعليق