الرصيف
قبل ان تنظر إلى ناحية القطار قالت له وهي تفرك في عينيها هل سأراك مجددا؟ لم يجب عليها وتركها تبحث عن إجابة على سؤالها في ملامحه التي حاول قدر الإمكان أن يخفيها عنها، استدرات بجسمها وتحركت.
هي نفسها التي سالته في أول لقاء نفس السؤال، القطار يصنع صداقات وعداوات واحيانا يجمع عاشقين، الرحلة اليومية تجعل الفرصة سانحة لأن يلتقي كل يوم بشخوص مختلفه في الشكل واللون، فيختار من بينها ما يشاء ليسجل رقم هاتفه ويكون معه علاقة جديدة يصنفها في كل مرة حسب جنس وشكل ولون وحلاوة هذا الشخص.
لا يعرف ما الذي شده إلى هذا النقاب الأسود، ربما صوتها المنخفض، وحديثها القليل الذي تختم كل جمله فيه بـ"الله المستعان" أو تسبقه بالمشيئة.
لم يكن يعرف كثيرا، عن أسماء المشايخ التي تستدل بكلماتهم وفتواهم، وهي ايضا لم تقرأ لمن يحدثها عنهم، سألته عن الكتاب الذي يحمله، ولم ير ملامحها عندما قال لها إنها رواية لنجيب محفوظ.
سألته عن المسجد الذي يصلى فيه، فاكتشف انه لا يتذكر أسم المسجد الذي في منطقته، فقال لها أسم مسجد مشهور في مدينتهم، سمع عنه في "تريقة" أصدقائه على خطيبه في المقهي.
طلبت هي رقم هاتفه، ولم يبادر هو كعادته بطلب رقمها هي من طالبته بأن يسجل رقمها بعدما رنت علي رقمه، لم يتذكر أسمها، وخجل في أن يسألها عن أسمها مرة أخرى، فكتب في خانة الإسم "منقبة القطار".
نفس الإسم كان يظهر قبل كل صلاة مكتوبة، وتطور الأمر للنوافل، وبين كل ررنة واخرى تصله رساله منها "أقم صلاتك تسعد حياتك"، و"الصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين".
لقائهما الثاني كان في مسجد "المنصور" لم يلتقيها وجها لوجه فقط كان المكان يجمعهما هي في مصلى النساء، بينما هو يجلس يستمع لرجل مسن، بلحية بيضاء كثيفه يتحدث عن "الزوجة في الإسلام"، في درس ديني سبق عقد قرآن تصادف عقده بالمسجد بعد صلاة العصر.
يومها قبل هديتها كتاب عن بناء المجتمع الإسلامي، وغضبت جدا عندما انتقد ما فيه من أفكار، هددته بان لحوم العلماء مسمومه وطالبته بالإستغفار، ورفضت الإجابة عن سؤاله "هل هناك قداسة في الإسلام؟" وانهت اللقاء سريعا خوفا من أن يراها أي من رواد المسجد، سألها وهل سيعرفها أحد وهي بالنقاب؟ لم تجبه وتركته وانصرفت.
بعدها انخفض معدل رناتها ورسائلها، إلى أن إلتقيا من جديد على رصيف المحطة.
حاولت من جديد إقناعه بأن يهتدي إلى صحيح الدين، وحاول هو إقناعها بأن تقرأ لغير هؤلاء.
لم يهتد إلى ما دعته إليه، ولم تقتنع هي بما قاله لها.
تباعدت الإتصالات بينهما، وكانت كلما وجدته بالصدفه على رصيف المحطة تفرك عينيها، وتسأله هل سأراك مجددا؟
تعليقات
إرسال تعليق