جميلة

كانت تجلس القرفصاء تاركة رأسها بين فخذيها، ألتف عدد من النساء حولها، اختلط كلامهن بين المواساة، والطمأنة،  لا تنظر إلى أحد، تجلس إلى جوارها طفلة   تشبهها، اقترب منها رجل في العقد الثالث من عمره، حاول التحدث معها فلم ترد، جاء صوت من تجلس إلى جوارها، "سبيها دلوقتي يا أستاذ الله يكون في عونها ويصبرها"، لم يهتم بكلمات الست، وردد السؤال، وأكدت هي على التطنيش، نظر إلى الجالسة جوارها ففهمت سؤاله دون أن ينطقه "ابنها يا باشا ومعاه مراته وبناته تحت الصخرة ومنعرفش أن كانوا ماتوا ولا عايشين".
الأمور لا يوجد بها احتمالات هو اختيارين لا ثالث لهما، إما كان في بيته فمات، أو كان خارج المنطقة بالصدفة فكتب الله له عمرا جديدا.
اقترب منها الرجل من جديد، ووضع يده على رأسها، رفع يدها وقبلها، نظرت إليه باستغراب، ما هذا الغريب الذي يقبلني، توقع السؤال فكانت إجابته أكثر غموضا "أنا واحد متعرفنيش ولا أنا أعرفك اعتبريني زي ابنك" عادت برأسها من جديد إلى ما بين فخذيها، وكأنه ذكرها من جديد بابنها الذي لم تنسي وجهه، وهو مرعوب يحتضن ابنتيه وزوجته، هي صورة تخيلية وضعتها السيدة الجالسة بجوارها.
رائحة الموت تملأ المكان، الأتربة تعلو في سماء القاهرة، لا أحد يعرف ماذا يحدث، ولا ماسيحدث، عويل، ونحيب، وصراخ، ما هذه الحالة، نساء توشحن بالسواد، ربطن رؤسهن، ربما من أثر الشمس، وربما كان صداعا جماعيا، وربما كانت إحدي طقوس المآتم، الأطفال هنا لا علاقه لهم بتلك الكلمة، سوي بالأسم فقط، وجوههم يغطيها "لحوسه"، حفاة، أنصاف عراه، لم يعرفوا يوما حلاقا، ولم يجربوا في مناسبة قميصا أو سروالا جديدا، البقال عندهم يعني السجائر الفرط، والفسحة، زياره لميدان السيدة عائشة في الأعياد.
 من بعيد يعتقد زائر المكان أنه دخل إلي المقابر بطريق الخطأ، بقايا مساكن، إلي جوارها  بقايا أثاث، تنتشر عليها بقايا ملابس تعلن أن بقايا بشر كانت تعيش هنا ما تبقي لها من الحياة، ربما كانت مقلب قمامة، أو منطقة تجميع روببيكيا.
صوت الشيخ محمد جبريل يكسر الصمت الذي سيطر على المكان، هاتف السيدة يرن، استيقظت الطفلة من النوم فجأة مفزوعه، كانت تحتفظ به بين ملابسها، "ستي ستي دا رقم بابا " كلمات نطقت بها الطفلة بارتجاف، أيقظت الشارع كله، كان الجميع ينام في الشارع، كان غطائهم بعض الأتربة، مع بعض البطاطين التي احضرتها لهم جميعية خيرية، باقي على الفجر ساعات، لا يعتقد هنا أحد في وجوب الصوم عليهم، ينقسموا  فريقان، الأول يرى أن الموضوع تعوّد، وهم لم يتعودوا عليه من قبل، والثاني ينظر إليه بفلسفة نوعا ما، يري أن الصيام فرض على الأغنياء ليشعروا بالفقراء، وهم يرفعون طول الوقت لافتات تطالب بأن يتم تكريمهم ليكونوا فقراء.
خطفت الهاتف من يد الطفلة، " ايوه .. انت فين .. متخفش، هقولهم ألو ألو" كررت الكلمة أكثر من مرة قبل أن ينقطع الأتصال فجأة،  هتفت " ياباشا أهوه بيكلمني ياباشا بيقولي أنه لسه حي ومعاه مراته وولاده"، النواح انتشر في المكان من جديد.
اوقفتها عصا عسكري أمن مركزي، نزلت علي رأسها، قبل أن تصل إلي الجلسة التي نصبها عدد من الضباط في مكان قريب من النسوة، كانوا يحتسون شاي بالنعناع، ويتعازمون السجائر، ويتبادلون نغمات الموبيل، نظروا إليها وهي ملقاه علي الأرض.
"خد دي ياباشا.. أسمها الست لما حاجة مسخرة" قالها ضابط لزميله ...
     " الست اتجننت ياحول الله"
قالتها سيدة قبل أن ترد علىها أخري
    " لا أنا سمعته والله وهو بيكلمها .. كان بيقولها أنه حي بس العيال عطشانه"
جميلة ليس أسمها الحقيقي، لكنها صفه، غلبت على فوزية إسمها الموجود في البطاقة وفي كل أوراقها الرسمية، تزوجت 3 مرات، بعد موت زوجها الأول، تتعامل مع كل زوج منهم بإعتباره ضل، تؤمن بمثل "ضل الراجل ولا ضل حيطة"، لكن الثلاثة كانوا يتعاملون معها على أنها تملك حيطة أو بالأحري 4 حيطان، انفصلت عن الأول لأنه ضرب أبنها، وعن الثاني لأنه كان " ميتخلعش من رجلك"، والثالث لأن أبنها أراد البيت للزواج به، فأعاد تقسيمه من جديد لتنام هي في الصالة وينام هو وزوجته في الغرفة، أستمر الوضع كما هو علىه حتي بعد ما أصبح عنده ثلاث بنات، خرجوا ليناموا معه جدتهم في الصالة، وأستمرت الغرفة قصرا للزوجه.
المعدات تبدأ عملها مع الساعات الأولي من الصباح، ترتج الأرض، فتتحرك الصخور، أنقطع الإتصال، وضاع معه الأمل في العثور على الأسرة التي دفنت في حجرة واحدة.
 ثلاثة أشهر وهي تقف أمام الحي، وجهها كما هو لم يتغير، ترفع لافته كبيرة، كتبت عليها، جملة مليئة بالاخطاء الإملائية "دم أوبني مش هيديع .. عاوذه حقه .. بنته بتقولك يبيه فين الشقه"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تصلح لجميع الأغراض

الرصيف

التلييس