التلييس

يستحق أن يكون شخصا عظيماً، هكذا يعتقد في نفسه طول الوقت، يحرص على شراء سجائره من نوع غالي، يشتري ملابسه من الوكالة، ويقسم أنها توكيل.
يدخل غرفته، مع كل فجر، ويهرب منها بعد سطوع الشمس بساعات، لا يأكل هناك، ولا يشرب، يدخن فقط فيها سيجارة قبل النوم، ويبصق علي يمينه قبل أن يخلد في نوم، يتقلب على السرير ساعة قبل أن يغشى عليه. النوم بالنسبة له هروب لا يستطيع القيام به، والأكل منعا لموت يراه أمام عينه كل ليلة، هو فقط يحب الشراب، يعشق بيره ستيلا تمنحه القوة على أن يتخيل نفسه عظيما.
الغرفة عبارة عن سرير تتقاطع معه كنبة عند رأسه تصنع زاوية في مواجهتها تربيزة صغيرة عليها بعض الكتب وبجوارها وابور جاز عليه إبريق شاي فعل فيه هباب الوابور كل ما يستطيع لتغير لونه إلى الأسود.
يحاول أن تكون الغرفة مهندمة ومرتبه طوال الوقت، يلتزم بتغير الجرائد المثبته على الجدار، الرطوبة تسقطها كل فترة، الرطوبة آتت على ما تبقي من "جير" ملون على الجدران، تكشف عن طين صنعت منه الحجرة.
يتذكر وهو صغير أجلسته أمه على فخذها وهي تشترى تلك الحجرة، وقتها كانت أربع جدران بل سقف، ولا باب، ما تبقى معها من أموال كان يكفي لشراء عروق خشب تغطي السقف، أما الباب فانتظرت إلى أخر الشهر عندما حصلت على معاش الضمان اشترت به بابا مستعملا.
"التلييس" كانت هوايه تستمتع بها أمه، تأتي بكومة من التراب، تفتحها من عند المنتصف، وتضع مقدار جردل أو أثنين من الماء، يبيت الماء فيها ليلة، وعندما يختفي الماء، تزيدها جردلا أخر، ثم تعجنها عند المساء وتبدأ في وضعه علي جدران الحجرة، تستخدم يدها بدلا من المحارة، وتتفنن كل مرة في صنع العجينة، أحياننا كانت ترسله ليأتي لها ببعض "التبن" وتضيف قليل منه علي العجينة فيزداد الطين تماسكا، ويكسر ما به من قتامه، كانت تعامل الحجرة بأعتبارها، طفل تدلله كل فترة بتبديل قميصه، هي تبدل للحجرة طينها، كانت تجبره علي شراء جير يغير لون الحجرة، ماتت أمه، فتوقف دلال الحجرة.
ملابسه معلقه علي أربعة مسامير، ويضع صفحة لجورنال الأهرام كخلفية لها، لمنع وصول ما تبقي من الجير علي الجدران لمبلابسه، عندما كان جالسا علي مقهي "التكعيبة" مع عددا من أصدقائه لفت أحدهم نظره إلي وجود شئ بالقميص، ربما يكون لوناً، هو حقا كذلك بفعل احتكاك كتفه بجدار أثناء سيره، هكذا قال، وهو يعلم أن الحقيقة أنها بفعل الجير الحقير الصامد في حجرته حتي الأن.
لما تخرج في الجامعة أدرك أن الحياة بها الكثير من المفاجآت، لم يجد ما وعده به أباه، عندما كان يحرمه من اللعب في الشارع، كان ينصحة بالجد في التعليم حتي يجد الوظيفة في انتظاره بعد التخرج.
أكمل تعليمه وتخرج في كلية الحقوق، لكنه لم يجد أحدا يعمل معه، ولم يكن لديه ما يؤهله ماديا ولا عمليا لإفتتاح مكتب للمحاماه خاصا به، نزل إلي وسط البلد، جلس علي مقهي وأثنين وثلاثة، وألتحق بمركز للدفاع عن حقوق الأنسان، راتبه يضيع علي السجائر الفاخرة، وشحن المحمول، وعزومة لأصدقائه كل كام يوم.
قبل أن ينام ينظر إلي الصورتين الشخصيتين المعلقتين بمواجهه السرير، هذا الجندي الذي يرفع العلم في معركة حربية، والمرأة العجوز التى رسم الشيب علي وجهها كل ألوان الشقاء، نظرات عينيه تختلف من صورة لأخري، إلي ذلك الرجل ينظر بعتاب، يصل إلي حد اللوم، وإلي تلك المرأة ينظر بحب وحنان قد يصل إلي العشق، عيناه تزوع بين الصورتين، تتنقل بينهما إلي أن تدمع، قد لا تكون تأثراً بقدر ما هو إرهاق للعين. يطفئ سيجارته في بطرمان مربي فارغ، قبل أن ينام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تصلح لجميع الأغراض

الرصيف